أبي حيان الأندلسي
144
البحر المحيط في التفسير
فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ : معناه يعينني ويؤازرني ، وكان هارون عليه السلام فصيحا واسع الصدر ، فحذف بعض المراد من القول ، إذ باقية دال عليه . انتهى . وقال الزمخشري : ومعنى فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ : أرسل إليه جبريل عليه السلام ، واجعله نبيا ، وأزرني به ، واشدد به عضدي ؛ وهذا كلام مختصر ، وقد أحسن في الاختصار حيث قال : فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ، فجاء بما يتضمن معنى الاستثناء . وقوله : إِنِّي أَخافُ إلى آخره ، بعد أن أمره اللّه بأن يأتي القوم الظالمين ، ليس توقفا فيما أمره اللّه تعالى به ، ولكنه طلب من اللّه أن يعضده بأخيه ، حتى يتعاونا على إنفاذ أمره تعالى ، وتبليغ رسالته ، مهد قبل طلب ذلك عذره ثم طلب . وطلب العون دليل على القبول لا على التوقف والتعلل ، ومفعول أرسل محذوف . فقيل جبريل ، كما تقدم ذكره ، وفي الخبر أن اللّه أرسل موسى إلى هارون ، وكان هارون بمصر حين بعث اللّه موسى نبيا بالشام . قال السدي : سار بأهله إلى مصر ، فالتقى بهارون وهو لا يعرفه فقال : أنا موسى ، فتعارفا ؛ وأمرهما أن ينطلقا إلى فرعون لأداء الرسالة ، فصاحت أمهما لخوفها عليهما ، فذهبا إليه . وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ : أي قبلي قود ذنب ، أو عقوبة ، وهو قتله القبطي الكافر خباز فرعون بالوكزة التي وكزها ، أو سمى تبعة الذنب ذنبا ، كما سمى جزاء السيئة سيئة . وليس قول موسى ذلك تلكأ في أداء الرسالة ، بل قال ذلك استدفاعا لما يتوقعه منهم من القتل ، وخاف أن يقتل قبل أداء الرسالة ، ويدل على ذلك قوله : كَلَّا ، وهي كلمة الردع ، ثم وعده تعالى بالكلاءة والدفع . وكلا رد لقوله : إِنِّي أَخافُ ، أي لا تخف ذلك ، فإني قضيت بنصرك وظهورك . وقوله : فَاذْهَبا ، أمر لهما بخطاب لموسى فقط ، لأن هارون ليس بمكلم بإجماع ، ولكنه قال لموسى : اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ « 1 » . قال الزمخشري : جمع اللّه له الاستجابتين معا في قوله : كَلَّا فَاذْهَبا ، لأنه استدفعه بلاءهم ، فوعده الدفع بردعه عن الخوف ، والتمس الموازرة بأخيه ، فأجابه بقوله : اذهب ، أي اذهب أنت والذي طلبته هارون . فإن قلت : علام عطف قوله اذهبا ؟ قلت : على الفعل الذي يدل عليه كلا ، كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما تظن ، فاذهب أنت وهارون بآياتنا ، يعم جميع ما بعثهما اللّه به ، وأعظم ذلك العصا ، وبها وقع العجز . قال ابن عطية : ولا خلاف أن موسى هو الذي حمله اللّه أمر النبوة وكلفها ، وأن هارون كان نبيا رسولا معينا له ووزيرا . انتهى . ومعكم ، قيل : من وضع الجمع موضع المثنى ، أي معكما . وقيل : هو على ظاهره من الجمع ، والمراد
--> ( 1 ) سورة طه : 20 / 42 .